لننتقل بعد ذلك إلى المحاور الرئيسية لهذه الحرب وهي:
1 ـ الشائعات بديلة للأساطير.
ولقد فضحها غارودي في كتابه "الأساطير المؤسس لدولة إسرائيل" (2) حيث نقترح إبدال مصطلح "الأساطيـر" بمصطلح
"الشائعات". فالأسطورة هي قناعة تاريخية لا يحتاج المؤمن بها لإثباتها. أما الشائعة فهي طرح راهن (أو حديث العهد) يمكن التحري للتحقق من صحته. ومن أبرز الشائعات التي قامت عليها الحرب النفسية – نذكر:
أ – الهولوكوست: ونحن بغنى عن ترداد الشكوك حول المبالغات الصهيونية بشأنه. وحسبنا التذكير بالإستغلال السيكولوحي له. إذ تعرض صوره في معارض سنوية حتى اليوم. ويستغل في تفجير مشاعر الذنب تجاه اليهود. كما يستغل في إحياء مشاعر الذعر والهلع عند يهود العالم. بما يرسخ إسرائيل كملاذ آمن لهم ويجبرهم على دعمها. ولعل من أبرز أسباب رواج هذه الشائعة الغاطسة التي تظهر وتختفي ثم تعاود الظهور فتستقبل بالقبول والتصديق. وعلى هذا النوع من الشائعات تركزت الحرب النفسية – الصهيونية. التي يمكن اختصارها بإعادة إحياء الأساطير على شكل شائعات غاطسة.(3)
ب – معادلة بن غوريون: أطلق بن غوريون هذ المعادلة عقب نكبة 1948 عندما كان عدد سكان إسرائيل 700.000 وعدد السكان العرب 28 مليون. فرأى أن الصهيونية انتصرت بنسبة يهودي واحد إلى أربعين عربياً. وهذ المعادلة تتناغم مع أسطورة "الشعب المختار" وتفوق اليهود على الأغيار. بل إننا نلاحظ أن الشخصية اليهودية القائمة على الأساطير قد حولت هذه المعادلة إلى أسطورة. لذلك راحت إسرائيل تبذل جهوداً مستميتة لتأمين هجرة يهودية (روسيا،الفالاشا وغيرهم) من أجل الحفاظ على هذه المعادلة. وهم يرون في اختلالها خطراً على استمرارية إسرائيل(4).
ج – شائعة " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض ": وهي شائعة تلامس أسطورة " أرض الميعاد ". لكن الوقائع التاريخية تبين أن اليهود كانوا يملكون نسبة 3,5% من الأرض عند صدور وعد بلفور عام 1917 و 6,5% منها عند صدور قرار التقسيم عام 1947 ثم أصبحوا يملكون 93% من الأرض في العام 1983. وتفـاوت هذه النسب يبين كذب هذه الشائعـة كما يبين
حجم الاحتيال الإسرائيلي في مصادرة الأراضي. ولقد نشـر "إسرائيل شاحاك" قائمة بأسماء 385 قرية فلسطينية أُزيلت بالجرافات من اصل 485 قرية كانت مسجلة في العام 1948 . وهذا يقدم الدليل القاطع على ممارسات إسرائيل للتطهير العرقي في محاولة لتحويل هذه الشائعة إلى واقع.(5)
د – شائعة " إسرائيل دولة عظمى ": ولقد عاد اليهود الذين اقاموا مستعمرة "بتاح تكفا " ومعهم الهجرات اللاحقة لغاية العام 1947 بناء على وعد صهيوني بإقامة دولة يهودية بالتوافق مع الدول العربية المحيطة بها وبدون حروب. بل تضمن الوعد احتمال انضمام هذه الدولة إلى فيديرالية عربية. وذلك بحيث تستبدل أسطورة " إسرائيل الكبرى " بشائعة " إسرائيل العظمى " التي تستغل دول الجوار وتتحول بذلك إلى دولة صناعية عظمى.(6)
ويتبدى تراجع الصهيونية عن هذه الشائعة عبر عصاباتها الإرهابية التي افتتحت إرهاب الحرب العالمية الثانية وما بعدها. وبالرغم من إقامة الدولة اليهودية على حكم زعماء العصابات والإرهاب فإن الصهيونية لم تتخلى يوماً عن هذه الشائعة.
وهنا أتوقف للإشارة إلى أن الدعم العسكري المطلق الذي تلقـاه إسرائيل يبرر تفوقها العسكري. لكن هذا التفوق لم يمكنها من تحقيق هذه الشائعة وحسب الشعوب العربية أنها تصدت لهذا الحلم الإسرائيلي. الذي نراه اليوم وهو يعاود الظهور تحت مسميات " الشرق أوسطية " و" تطبيع ما بعد السلام " وغيرها من المسميات
2 – تلميع صورة اليهودي.
وهي المهمة الأصعب التي واجهت الصهيونية. فقد ترسخت عورات هذه الصورة عبر قرون وأصبحت جزءاً من التراث الإنساني. وقد بلغت هذه الصورة حداً من السوء جعل اليهود انفسهم يرفضونها وينفرون منها. وحسبنا هنا التذكير بما يقولـه
مؤلف موسوعة اليهودية الدكتور عبد الوهاب المسيري. إذ يؤكد بأن الحضارة الغربية قد ذوبت اليهود فلم تبقي منهم سوى أعداد ضئيلة وهم كانوا مرشحين لأن يحصوا عشرات الملايين لولا تذويبهم في الحضارة الغربية. وبهذا يلتقي المسيري مع علماء المستقبليات الذين يؤكدون على كون الحضارة الغربية حضارة مذوبة.
مهما يكن فإن المهمة كانت عسيرة وتطلبت جهوداً غير اعتيادية. وهي تضمنت الخطوات التالية:
أ – إبراز الشخصيات اليهودية: انطلقت الصهيونية من منطلقات علمانية بما يعني أنها رافضة للصورة اليهودية التقليدية. وهذا الرفض ينسحب على الشخصيات اليهودية المعاصرة لنشوء الصهيونية. بل ربما أمكن القول بأن هذا الرفض المشترك هو الذي أعطى للصهيونية إمكانيات الانطلاق والتحرك.
وهكذا كانت الصهيونية في حل من اعتماد التصنيف الديني لليهود. فراحت تباهي وتبرز الشخصيات اليهودية حتى ولو كانت ملحدة ورافضة للدين اليهودي. فتمكنت عبر علمانيتها وعبر هذه الشخصيات من إظهار اليهودي بمظهر " العبقري المتفوق " . هذا النجاح كان أبرز انتصارات الحرب النفسية – الصهيونية. وهو أحد اخطر الشائعات الصهيونية. فهؤلاء العباقرة كانوا أبناء الحضارات التي عاشوا فيها والظروف الحضارية المتوافرة لهم. حتى أن غالبيتهم كانت رافضة لانتمائها اليهودي. وحسبنا هنا التذكير بما أورده فرويد (اليهودي) في كتابه المعنون بـ"موسى والتوحيد" ومنه نقتطف: كانت الشروط الأساسية (أيام موسى) تتنافى مع تحول الإله اليهودي (وهو قومي محض) إلى إله كوني. فمن أين تأتى لهذا الشعب الصغير البائس والعاجز صلف الادعاء بأنه الابن الحبيب للرب…".
"… إنه لمما يبعث على الدهشة أن يختار الإله لنفسه على حين بغتة شعباً من الشعوب ليجعل منه شعبه المختار،… إن هذه الواقعة يتيمة في تاريخ الإنسانية فقد يحدث أن يختار شعب من
الشعوب إلهاً جديداً، ولكن لم يحدث قط أن اختار إله من الآلهة شعباً جديداً!
ب – التشبه بالمعتدي: وهذا التشبه هو أحد آليات الدفاع النفسي. حيث يحاول المخطوف التقرب من خاطفه والتشبه به بهدف الدفاع عن نفسه وجلب الإطمئنان لها. وهذا تحديداً ما فعلته الصهيونية منذ قيامها. حيث تشبهت بالمعتدي باعتناقها القيم العلمانية التي تتناقض مع الشخصية اليهودية وتلغيها. وعـن طريق هذا التشبه تمكنت الصهيونية من طرح مفهوم "صورة اليهودي الجديد ". وقد لاقى هذا الطرح نجاحاً فكان السبب في تشجيع الصهيونية على متابعة سلسلة من التشبيهات بالمعتدي، ومنها نذكر:
1 – التشبه بالمعتدي البراغماتي: كان الأميركيون منذ مطلع هذاالقرن شديدو الحذر من الخطر اليهودي. حيث قادتهم براغماتيتهم إلى تفضيل عدم قبول اليهود على قبولهم وتذويبهم في ما بعد (كما فعل الأوروبين). لكن الصهيونية تشبهت بهذا العدو البراغماتي لدرجة إقامة دولة بدون تاريخ على غرار دولته ( أي الولايات المتحدة). بـل إن التشبه الصهيوني بالولايات المتحدة قـد بلغ حدود اعتبار إسرائيل الولاية الحادية والخمسين. بما يستتبعه ذلك من إعتبار أية إدانة لإسرائيل إدانة للولايات المتحدة نفسها. فاللاجئون الفلسطينيون يقابلهم الهنود الحمر. وملكية الأسلحة النووية تقابلها قنابل هيروشيما وناغازاكي. ونابالم بحر البقر يقابله نابالم فيتنام وقس عليه.
ج – الكيبوتزات: كانت هذه المستعمرات الزراعية الأداة الرئيسية لتسويق صورة لامعة لإسرائيل ولليهودي الجديد، حيث طرحت هذه الكيبوتزات رمزاً عالمياً لتجمعات إنسانية متحضرة. فكانت إسرائيل تستضيف فيها عشرات الآلاف من الشبان من مختلف أنحاء العالم وتترك لسكان هذه المستعمرات مهمة إقناع هؤلاء بصورة "اليهودي الجديد". بل إن الصهيونية استعادت عن طريق هذه المستعمرات آلاف الشبان مـن ذوي الأصول اليهودية.
3 – الحرب النفسية ضد العرب.
هنا نتساءل: " كيف تحول الجبان الذليل إلى معتد شرس؟". إحدى الإجابات على هذا السؤال تقدمها لنا السيكولوجيا وهي الآلية الدفاعية، المذكورة أعلاه، المسماة بالتشبه بالمعتدى. والوقائع التاريخية تثبت لنا استعداد الصهيونية لمناقشة مسألة إقامة وطنها القومي في مكان آخر غير فلسطين. وفي هذا ما يثبت أن عداء الصهيونية للشعوب العربية هو عداء انتقائي واختياري. حيث انطلق هذا العداء من استعداء الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية ضد العرب. وذلك بناء على إغراءات متعددة أهمها:
أ – تحول اليهود إلى إرهابيين وممارستهم للإرهاب على شعوب أوروبية. وبالتالي فإنه من الأفضل تقنين إرهابهم وتحويله نحوالعرب.
ب – الخلاص من حثالات الغيتو المترسبة في دول متحضرة منذ قرون والعاجزة عن التكامل في مجتمعات تلك الدول.
ج – تقديم تعويض مادي لمذابح النازي التي أثارت رعب اليهود في شتى أنحاء العالم. حيث كان للحرب النفسية دورها في إذاعة هذا الرعب.
د – الفوائد المادية على مختلف الصعد. حيث إقامة دولة تتطلب مستلزمات يقدمها أثرياء اليهود (في مقدمتها السلاح) وحيث توفير التعويضات وأيضاً الرشاوى التي دفعها الصهاينة والمتجاهلة حتى الآن.
على هذه الأسس تم اختيار الشعوب العربية لتكون كبش الفداء. وتمكنت الصهيونية من جر الجميع إلى التواطؤ وقبول هذا الاختيار. بعد أن أصبحت تهمة " معاداة اليهود " بمنزلة الفضيحة الأخلاقية الخاضعة لمحاكم نورمبرغ. وذلك دون تمييز بين عداء مبرر يأتي كردة على فعل عدوان وبين عداء غير مبرر.
وهكذا بدأت الحرب النفسية ضد العرب باختيارهم بديلاً للنازي والتالي أعداءً لجميع الدول المنتصرة".
وبعد اطمئنان الصهيونية لإقامة دولتها بدأت الحرب النفسية ضد العرب. وهي حرب غير مرشحة للانتهاء حتى في حال حصول السلام المستحيل. وتضمنت هذه الحرب الخطوط العريضة التالية:
أ – تشويه صورة الانسان العربي.
ب – تعزيز تمثيل إسرائيل للحضارة الغربية بما من شأنه تحويل أي عداء عربي تجاهها إلى عداء لهذه الحضارة.
ج – الحرب النفسية المباشرة.
4ـ تشويه صورة العربي
ويعتمد هذا التشويه على أسس سيكولوجية محكمة تقـوم على العناصر التالية:
أ – التصور الغربي للإنسان العربي: وهي صورة بشعة رسمها الغرب من رؤية المستعمر. وبالتالي فإنها صورة تغلب عليها الدوافع العدوانية. وهي تتلخص كالآتي: إن العربي هو إنسان منزو ومندفع وراء شهواته. وهو نزق لا يقيم وزناً إلا لعنجهية عظامية (بارانويا) وهو لا يحترم أية مثل (بما فيها مثل مجتمعه) إلا بمقدار تدعيمها لعظاميته. وهو متخلف وجاهل وعاجز عن استيعاب مبادئ المساواة لدرجة عجزه عن فهم مبدأ الطبقة الوسطى. وهو إما فقير معدم أو ثري فاحش الثراء وهو انفعالي يمكن أن يصل إلى حدود التطرف الهوسي. ( لا بد من الإشارة إلى أننا مدينون للاستشراق بهذه الصفات).
ومن الطبيعي أن تستغل الصهيونية هذه الصورة وأن توظف إمكانياتها الإعلامية (السينما خصوصاً) لترسيخ قباحتها.
ب – التضليل الإعلامي: وقد مارسته الصهيونية لحدود الاستنفاد. وأخطر صوره:
1 – اليهودية هي قومية (بدليل أن إسرائيل وطن قومي لليهود) أما العروبة فهي ديانة (بدليل أن 80% من الأميركيين يعتقدون أن إيران وباكستان هي دول عربية).
2 – إن إسرائيـل تملك تاريخـاً وأنهـا أسبق من العرب في
ملكيتها للأرض. (ولكن ماذا عن المخطوطات التاريخية التي تخفيها إسرائيل وتمنع المؤرخين من مجرد الاطلاع عليها؟).
3 – إن إسرائيل تحمي مصالح الغرب في المنطقة وهي بمنزلة الخادمة لمصالحه (ولكن ماذا عن الفقر الزاحف إلى دولنا النفطية؟).
ج – الإرهاب العربي: يقاس نجاح إسرائيل في تسويق صورة العربي كإنسان عدواني إرهابي عبر وقائع عديدة منها أن الإعلام الأميركي ومعه الرأي العام الأميركي وجها التهمة ‘لى العرب فور وقوع اتفجار أوكلاهوما (الذي كان من صنع الميليشيات الأميركية البيضاء).
والخطير أن تهمة الإرهاب العربي تكرست بأبحاث أكاديمية تعتبر أن أصل الإرهاب يعود إلى جماعة " الحشاشين " العربي. وبأن هذه الجماعة هي التي اخترعت الإرهاب.
5 – الحرب النفسية المباشرة.
وهي عموماً حرب شائعات لكن صورتها الأكثر بشاعة هي تلك التي تمارسها الصهيونية ضد اليهود العرب إلى الحركات الدينية المتطرفة. ورغبتهم في الانتقام من أصولهم العربية ومن العرب عموماً.(7)
أما عن الشائعات الصهيونية فحدث بلا حرج. ومنها نذكر:
أ – معادلة بن غوريون: التي تدفع بالعربي للإحساس بضآلته وبعجزه أمام اليهودي – الصهيوني. وهذا مجرد شائعة لأن الصهيونية تسلمت الأرض على طبق من فضة بسبب الموافقة الدولية وليس بسبب انتصارها المدعوم خارجياً أيضاً.
ب – شائعة اللجوء: أطلقت إسرائيل شائعة لا تزال تتداولها لغاية اليوم. قوام هذه الشائعة أن الفلسطينيين لم يهربوا من الإبادة في مذابح على غرار كفر قاسم ودير ياسين. بل إنهم تركوا أرضهم بناءً على أوامر الجيوش العربية التي كانت تنوي إبادة اليهود بعد خروج العرب.
ج – شائعات الخيانة: وهي شائعات جاهزة ضد أي زعيم أو مسؤول عربي يحرج إسرائيل. أما المتعاملين معها فإنهم يحظون بلقب " المتحضر الليبيرالي ".
د – شائعة التضامن اليهودي: وشقها الآخر شائعة التشرذم العربي. فالتضامن بين سكان إسرائيل يستند فقط إلى وجود العدو العربي وإلى تغذية الصهيونية للرغبة اليهودية بالعدوان كسبيل وحيد للشعور بالأمان. ودون ذلك فإن يهود إسرائيل ليسوا سوى خليط من الأعراق والثقافات التي لا يجمعها جامع. وهم متشرذمون شرذمة الشتات الذي أتوا منه.
أما عن التشرذم العربي فهو حاصل لو تم قياسه باللحظة السياسية-الاقتصادية الراهنة. لكن هذه ليست سوى لحظة. فالشعوب العربية باقية في أرضها ومتمسكة بها بدخل فردي لا يتجاوز الـ10% من مثيله في إسرائيل. لكن الفارق بين الاثنيـن هو الفارق بين الأسطورة وبين التاريخ.
الحرب النفسية في إسرائيل
بعد هذه التوطئة ننتقل الى مناقشة دراسة الباحث الإسرائيلي رون شليفر. وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار أيلان وباحث في معهد بيغن السادات للدراسات. وهو يتساءل في هذه الدراسة ، كيف أمكن للمنظمات الفلسطينية وحزب الله أن يحققا إنجازات عسكرية وسياسية ملحوظة ، رغم ضعفهم العددي والعتادي : فهجمات حزب الله أدت إلى خروج إسرائيل من لبنان ، والانتفاضة الأولى أدت إلى إقامة دولة الأمر الواقع للفلسطينيين ، بينما لا نعرف ماذا قد تسفر عنه الانتفاضة الثانية من نتائج .
ويفترض الباحث أن كل هذه الإنجازات العربية كانت مرتبطة بصورة مباشرة بحرب المعلومات أو ما يسمى بالحرب النفسية. ومن هنا إهتمام شليفر بالتقديم لدراسته بفصل حول المنطلقات المفاهيمية للحرب النفسية. وذلك في محاولة منه لتقديم بعض الرؤى المستقبلية لدعم الموقف الإسرائيلي على صعيد الحرب النفسية.
ولقد وزع المؤلف دراسته على فصول أربعة هي التالية:
الفصل الأول : ماهية الحرب النفسية
يتخطى المؤلف إشكالية عدم إتفاق الباحثين على تعريف دقيق وشامل للحرب النفسية فيختصرها على انها عمليات تستخدم فيها وسائل إقناع غير عنيفة لتحقيق أهداف الحرب العسكرية. مع التأكيد على أن الحرب النفسية لا تحسم الحروب العسكرية وإنما هي مجرد أداة إضافية لتحقيق أهداف الحرب.
إن مصطلح دعاية taamolaهو أساس المفاهيم بسبب إعطائه معلومات من أجل تحقيق أهداف سياسية ، ولهذا المفهوم دلالات سلبية ، ولذلك يتم التقليل من استخدامه .
وفي إسرائيل يستخدمون المصطلح hasbara ويستخدمون مصطلح الحرب النفسية لوصف العمليات الدعائية التي تهدف إلى تحقيق الغايات المطلوبة في المجال العسكري في زمن الحرب .
وفي محاولة تهرب واضحة من تقديم أمثلة ورؤى إسرائيلية بلجأ شليفر الى الكتب والمراحع والأمثلة الأميركية على ممارسات الحرب النفسية وتطبيقاتها. ومن الطبيعي ان يكون هذا العرض متضمناً للمغالطات الأميركية المعهودة في هذه المجالات. ومن هذه المغالطات نذكر التالية:
1- يقول شليفر أن الرسائل الأميركية قد خففت من حب العراقيين لبلدهم واحيت خوفهم على مصير عائلاتهم ( ص 3 ). الأمر الذي أدى الى تحطيم روحهم المعنوية. وهي مزاعم تدحضها إستمرارية المقاومة العراقية وتصاعدها.
2- يتجاهل المؤلف واقعة إنتماء الرسائل الأميركية المشار لها أعلاه الى الشائعات الغاطسة. التي تعاود الظهور في مناسبات معينة مثل الحرب. وبالعودة الى كتابنا الحرب النفسية في العراق يجد القاريء أن معظم هذه الرسائل قد سبق إستخدامها في حرب العراق الأولى.
3- يتبنى الباحث مصطلحاً أميركياً خادعاً هو " القنابل التمثيلية " ( ص 3 و4 ). وهي لم تكن تمثيلية بحال من الأحوال. إذ أن صوت هذه القنبلة كان يشمل كل السكان ويصيبهم بحالة تخدير حواسي ( Anesthesie Affecthve ) كما يسميها العالم مينكوفيسكي. وروي المتعرضون لهذه الأصوات أنهم كانوا يصابون بشلل الحواس لمدة تتراوح بين 10 و20 دقيقة. وعليه فإن هذه القنابل هي قنابل إرهاب تكتيكي وليست بالتمثيلية.
4- يبرر شليفر توزيع الإسنخبارات الأميركية على أجنحة على أنه نتيجة التصادمات السياسية الأميركية ( ص 4 و5 ). وفي التبرير إيحاء بإنقسام المخابرات الإسرائيلية لأسباب شبيهة. في حين أن المعروف في تقسيم الأجهزة المخابراتية هو تخصيص كل جهاز منها بتصنيع المعلومة بما يتناسب والشريحة المستهدفة بهذه المعلومة. حيث يتبدى تناقض تصنيع المعلومات بين الأجهزة بصور كاريكاتورية بمناسبات عديدة. وتكفي هنا العودة الى إشارات نعوم تشومسكي لهذه التناقضات في كتاباته العديدة.
5- يتوقف الباحث عند مرحلة " التعزيز والتقوية " ( ص 7 ). ويعطي عليها مثالاً الفشل الإسرائيلي في إقامة وتطوير العلاقات مع المدنيين والأحزاب في الجنوب اللبناني... وبذلك فهو يتجاهل إستحالة تطوير مثل هذه العلاقات بسبب طبيعة النزاع وديمومته. وربما هو أراد هنا الإشارة الى نجاح اسرائيل في تحقيق إختراقات أمنية عبر متعاونين فلسطينين. وهو هنا أيضاً يتجاهل أن إستشهادي واحد يهزأ من كل هذه الإختراقات ويحولها الى الشلل مهما بلغ مستواها من الأذى.
6- يتجاهل الباحث السؤال الذي يطرح نفسه حول نجاح الأميركين في تحقيق مرحلة التعزيز والتقوية في العراق بعد إحتلاله؟.
أما من الناحية النظرية فيرى المؤلف أن الحرب النفسية ترتكز الى ثلاثة عناصر هي:
1- الجمهور المستهدف بالرسائل المخابراتية.
2- الرسائل المخابراتية.
وسائل إيصال الرسائل المخابراتية.
وهو يقسم الجمهور المستهدف إلى ثلاثة فئات هي:
1- الداخل
2- العدو
3- الجمهور الحيادي.
هذا ويقسم الجمهور المستهدف بدوره الى ثلاث فئات هي:
1- الجمهور الداخلي ( الداخل): ويعتبر الهدف الأكثر أهمية. فعندما تريد دولة ما تجنيد كل طاقاتها للحرب فهي ملزمة بإقناع مواطنيها للقبول بأن يكونوا ضحايا محتملين لهذه الحرب.
2- جمهور العدو: وهذا القطاع يتقسم إلى: عسكريين ومدنيين ، والهدف هو إقناع العدو بأن لا أمل له في النصر ، وانه كلما انتهت الحرب بسرعة كلما كان ذلك أفضل له .
3- الجمهور المحايد ، وهم الناس الذين لا توجد لديهم علاقة مباشرة بالمعارك ، وذلك بهدف الحصول على تأييدهم .
أما بالنسبة للرسائل المخابراتية فهناك مجموعة من الرسائل التي تصاغ لتنقل إلى الجمهور المستهدف وهي تتغير بتغير الفئة المستهدفة:
1- رسائل لجمهور الداخل ، وهي رسائل تلبس العدو لباسا شيطانياً.
2- رسائل لجمهور العدو ، تظهر عدم وجود أمل في كسب الحرب.
3- رسائل لعموم المتلقين ، تتضمن إيراد أدلة عن العدالة والأخلاق في الميدان.
في النهاية فإن الهدف الرئيس للحرب النفسية هو زعزعة الوضع النفسي في أوساط جنود العدو ، ودفعهم إلى التفكير بشكل عام وطرح أفكار وجودية بشكل خاص .
وفي النهاية فإن إختيار وسائل وقنوات إيصال الرسائل هو عنصر شديد الأهمية. إذ يجب تحديد قناة الإتصال الأسهل لكل من الفئات المستهدفة. حيث يتم التواصل مع الجمهور المحلي بسهولة نسبية بواسطة وسائل الإعلام. لكن الصعوبات تكمن في إختيار القنوات المناسبة لإيصال الرسائل للعدو وللراي العام العالمي.
الفصل الثاني : تطبيق مبادئ الحرب النفسية من قبل الفلسطينيين وحزب الله
في هذا الفصل الثاني بدأ البحث بمقاربة الناحية الثقافية – الحضارية. فيذكر خطأ الرسائل المصرية الموجهة للإسرائيلين عام 1948 والخطأ يكمن في استعمال هذه الرسائل لآيات قرآنية بدل المقاطع التوراتية ( ص 12 ). وهي ملاحظة متكررة حتى الملل علنا نتعلم صياغة رسائلنا بدون هذا النوع من الأخطاء. كما لا بد من التذكير بتفوق إسرائيل في صياغة مثل هذه الرسائل إستناداً الى الإسرائيليات المزروعة في تراثنا على الرغم من المراجعات المتكررة لها.
هذا ويعتبر شليفر أن مجرد إنفتاح العرب المحدود على الإعلام العالمي هو نصر لهم في حربهم النفسية ( ص 14 ). وكأن الإعلام العالمي إحتكار إسرائيلي ممنوع التجاوز!؟. بل وكأن صورة العربي الكريه ( الإسرائيلية الإخرج) يجب ان تبقى مفروضة على العالم. بما يذكرنا بالمرحوم ادوار سعيد وقائمة من المثقفين العرب الداعين الى ضرورة مخاطبة الجمهور الحيادي والراي العام العالمي لإطلاعه على الحقائق. ولخلق قنوات تواصل معه.
في الصفحة 15 يقول الباحث: ... حسب الفلسطينين فإن إسرائيل قامت بحرب نفسية لإشعال النزاع داخل المجتمع الفلسطيني... وفي هذا السياق تبدو الفكرة وكأنها واحدة من تخرصات نظرية مؤامرة ساذجة. في حين تشير الوثائق والوقائع الى سعي إسرائيلي حثيث لإشعال حرب أهلية فلسطينية. وذلك منذ قرارها الإنسحاب من غزة في اوسلو ولغاية إغتيالها للقادة الفلسطينيين وتجويع الششعب الفلسطيني بحصاره. ومن المحاولات الإسرائيلية لإشعال نزاع داخلي فلسطيني نذكر:
1- دراسة تحليلية لشخصية ياسر عرفات ( نشرها مركز باحث بالعربية) هدفت الى الإيحاء بضرورة الخلاص من عرفات والحد من تأثيره بفرض تعيين رئيس وزراء يقاسمه الصلاحيات. بحيث يتم إصطناع إنشطار في رأس السلطة تمهيداً للتخلص الإسرائيلي من الوعود المعطاة أيام كلينتون.
2- الإعلانات الإسرائيلية المتكررة عن وجود عشرات آلاف المتعاونين من الفلسطينيين. وهي تدخل في إطار الحرب النفسية عبر ما يسمى بشائعات الخيانة والإختراق. وهذا لا يعني إنكارنا لوجود المتعاونين وإنما يعني التاكيد على إستغلال إسرائيل لهذه الواقعة وتوظيفها لها.
3- التدخل في الشؤون الداخلية الفلسطينية لغاية إجبار السلطة على إقامة تنسيق أمني مع الإستخبارات الإسرائيلية.
4- الإصرار الإسرائيلي على إستبعاد فصائل فلسطينية واسعة التمثيل الشعبي. وذلك لغاية تصنيفها إرهابية.
5- العمل على إثارة النعرات الطائفية بمختلف المناسبات والسبل المتاحة
سياسة الإغتيالات الإسرائيلية. التي تمثل إرهاب الدولة أفضل تمثيل.
هذا ويرى الباحث أن الفلسطينيين أدركوا في مرحلة مبكرة للصراع أن الخيار العسكري لحرب العصابات لن يعطي الثمار المرجوة. ولذلك وظفوا الكثير من الجهد في مجال الإقناع ( الدعاية ). وكان العمل المبذول يستهدف فئات الجمهور الثلاثة في آن معا ( الفلسطيني والإسرائيلي والعالمي ).
لقد كانت الرسالة الأساسية للإنتفاضة تتلخص في أن الاحتلال الإسرائيلي غير عادل وغير أخلاقي ، وهذا أمر شاذ يجب أن ينتهي ، وكان الهدف هو أن يتم الإثبات للمسيطر أن الأرباح التي يجنيها من بقائه على الأرض أقل بكثير من الكلفة ، ومن أجل ذلك عرضت آلاف الحوادث التي تؤكد هذا المبدأ. وهنا ذكر الباحث نقطة من أهم نقاط التفوق الفلسطيني في مجال الحرب النفسية. وهي نقطة القهر الذي يجعل الفلسطينين يتقبلون عرض صور الجرحى والقتلى والمشوهين وغيرهم من الضحايا. وهي صور لا يتحملها الجمهور الإسرائيلي في صفوفه لأنها تولد لديه مخاوف هيستيرية يصعب على الأجهزة الأمنية السيطرة عليها.
بالإنتقال الى حزب الله يرى الباحث أنه قد نجح في فرض نموذجه على دولة عظمى عسكرياً. وكان الجمهور المستهدف الأول بدعاية حزب الله هم السكان المحليون في جنوب لبنان. حيث أرسلت لهم رسائل تؤكد على خيانتهم للوطن إن هم تعاونوا مغ المحتل. أما الجمهور الثاني فكان العدو الذي يضم الجيش الإسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي. وقد تم دمج العمل النفسي مع العمل العسكري. حيث استطاع حزب الله تحديد نقطة الضعف لجيش جنوب لبنان واستخدمها في حرب العصابات. وقد جند حزب الله عملاء له داخل جيش جنوب لبنان. وهؤلاء أعطوا الإحساس بأن كل شئ مكشوف أمام حزب الله مما ساهم في انهيار الروح المعنوية لجيش لبنان الجنوبي .
لقد أعطى الإلمام بالثقافة الإسرائيلية ثماره من خلال الاستفادة في تشكيل الرسائل ، فقضية الأسرى وخاصة قضية رون أراد ،وكذلك المفقودون، شكلت سوطاً لإسرائيل. فموضوع افتداء الأسرى لا يزال محفوراً بشكل عميق في الثقافة اليهودية ، وقد أجاد حزب الله إستغلال هذا العامل الثقافي بحسب المؤلف.
كما يتطرق المؤلف الى حرب الانترنت بين اشرائيل وحزب الله ليرى أن مواقع الانترنت التابعة للحزب تمكنت من إيصال رسائل مخيفة للجمهور الإسرائيلي. مما دفع بالسياسيين الى طلب وقف هذه الحرب.
لكن المتابع لحقيقة ما حدث يجد أن التفوق التقني – المعلوماتي الإسرائيلي قد نمكن من تدمير مواقع الحزب. في المقابل وجه الحزب رسالة الى العرب والمسلمين في انحاء العالم من المتخصصين والمهتمين بالانترنت. فكانت النتيجة تاسيس نواة معلوماتية ضخمة يمكنها التحول الى تجمع انترنت عالمي ومتعدد اللغات والجنسيات ضد إسرائيل. وهذا ما أجبرها على التراجع. وبالمناسبة فإنه من المناسب أن نستمر في توجيه مثل هذه الرسائل والحفاظ على علاقات تواصلية مع هؤلاء العرب والمسلمين لتحويل النواة من حالة طواريء الى حالة منتظمة.
الفصل الثالث : الفشل الإسرائيلي – مصطلح الإعلام hasbara - تحليل تنظيمي ومفاهيمي.
العنوان بحد ذاته مضلل فصفة الفشل هي ترجمة لجنون العظمة الإسرائيلي. إذ تحظى إسرائيل عبر يهود العالم على سيطرة إعلامية تتخطى حجمها الطبيعي بعشرات الأضعاف. وبالنظر الى هذا التضخم فإنه من الصعوبة بمكان زيادة مستوى الهيمنة الإعلامية الإسرائيلية. ويمكننا هنا أن نسرد جملة كتابات يهودية تتقزز من أسلوب إستغلال إسرائيل للمحرقة. ونعرض في ما يلي لنماذج منها:
خرافــة المحرقــة
لدى نهاية الحرب العالمية الأولى صرح القائد الالماني "لاندروف" أن اللورد نورثكليف (صاحب جريدة التايمس) هو الذي كسب الحرب وليس لويد جورج (رئيس وزراء بريطانيا). وتفصيل ذلك أم التايمس كانت قد نشرت في عددها الصادر في 16/4/1917 خبرا" ، هو مجرد شائعة، عن وجود مصنع ألماني لتذويب الجثث واستخدامها علفا" للخنازير وسمادا" للأرض. ثم أتبعته في الأيام التالية بأخبار مؤكدة له. وجارتها في ذلك بقية الصحف الانجليزية. ولم تتضح الرواية رسميا" إلا في 25/10/1925 حين نشرت إحدى المجلات الانجليزية الحقيقة. فقد وقعت برقية بيد مراسل التايمس حول مصنع لإستغلال جثث الحيوانات. فما كان من المراسل إلا أن حرفها محولا" المصنع إلى إستخدام الجثث الآدمية بدل الحيوانات. وعبثا" حاول الإعلام الألماني تكذيب الشائعة لكنه فشل. ولو إتبعنا أبسط مباديء الحرب النفسية وسيكولوجية الشائعات لوجدنا أن هذه الشائعة كانت أولى الشائعات المرشحة للإطلاق في الحرب العالمية الثانية. فهي تسيء إلى إنسانية الألمان وتوقد الحماسة في أعدائهم. إن شائعة المحرقة هذه هي من نوع الشائعات الغاطسة التي تنكشف وتذبل لتعاود الظهور في الظرف المناسب. لكن شائعة محرقة الحرب الثانية تم تبنيها من قبل اليهود وهم لا يزالون مصرين عليها. ومعادين لكل من يشكك فيها. وهم مستمرون في إستثمارها.
علماء الدعاية يحددون لها عتبات ففي المرحلة الأولى تعطي الدعاية نتائج ايجابية تتصاعد تدريجيا" حتى تبلغ العتبة الأولى ( قمة التأثير الدعائي). التي لا يكون الاستمرار بعدها مجديا" فإذا ما حصل فانه قد يوصل موضوع الدعاية إلى العتبة الثانية. وفيها تصبح آثار الدعاية سلبية فتؤدي الى النفور وتعطي نتائج معاكسة لتلك المرجوة منها.
هذا المبدأ ينطبق على الدعاية التجارية كما على السياسية. ولعل مبالغة اسرائيل في استغلال الهولوكوست خير مثال على المبالغة الدعائية. حيث وصلت دعاية المحرقة الى حدود تنفر قسما" من اليهود وتثير اشمئزازهم وتقززهم (1). ولو نحن راجعنا الكتابات حول صدمات الحروب ومعاناة الأسر لوجدنا المعاناة اليهودية تحتل الواجهة.على الرغم من وحشية الحروب التي عرفتها البشرية خلال القرن الماضي ولما تزل. وبمراجعة الكتابات اليهودية في المجال نقع على بحوث كاريكاتيرية تثير الاشمئزاز وتستثير الضحك وتطرح موضوع اخلاقيات البحث العلمي والتزوير قيد المناقشة. مثال ذلك بحث نشره الطبيب روبرت فيش في المجلة البريطانية للطب النفسي العام 1989 تحت عنوان "التكتم ومشاعر الفقدان لدى الناجين من الكوارث" (2). ويعرض لحالة امرأة في الثامنة والخمسين. عانت من مخاوف الاعتقال عندما رحلت الى مخيم للاجئين اليهود يوم كان عمرها 12 سنة. وهي تشكو من عوارض يصر فيشر على علاقتها بالخوف من النازي!. علما" بان مراجعة بسيطة لعوارضها تبين انها من العوارض المألوفة لدى الجميع في سنها.
هذه المبالغة ومثيلاتها تثير قرف الباحثين العلميين ومثلها المبالغات على الصعد الأخرى من اعلامية ومعارض للهولوكوست وافلام وغيرها. بل ان هذه المبالغة تثير مسألة حقوق الانسان وتدعو الى مراجعتها بصورة جذرية. فلو راجعنا اعداد وظروف الضحايا التي تسقط في لحظة قراءة هذا النص لوجدنا ان عالمنا الراهن مزروع ببراكين الصراع المتفجرة وبالمجاعات والفقر والتهجير وغيرها من المآسي. فهل يتوجب على الانسانية ان تتجاهل وتهمل كل هذه الكوارث وتقف على اطلال الهولوكوست منتحبة ومستمرة في تقديم الاعتذارات بعد مضي اكثر من ستين سنة؟!.
لقد تحولت مسألة “الهولوكوست” الى عملية ابتزاز دولي وتاريخي منظم حتى تحولت مناقشة هذه المسألة الى واحدة من المحرمات (التابوات). حيث تعرض العديد من المفكرين والأساتذة الجامعيين للاضطهاد بسبب الهولوكوست. ومنهم روجيه غارودي وغيره من الباحثين الذين تطرقوا للموضوع فنالتهم ممارسات الارهاب الفكري بدءاً بالطرد من الوظيفة وصولاً الى الاعتداء الجسدي والتهديد مروراً بتحطيم واجهات المكتبات التي تبيع كتب هؤلاء. وهكذا احتكر اليهود حق الحديث عن الهولوكوست وتقديم الدراسات والآراء حوله.
وبطبيعة الحال فان تهمة “اليهودي الذي يكره نفسه” جاهزة ضد كل يهودي يسيء استخدام هذه الحصرية في حق مناقشة المحرقة. وخصوصاً عندما يتجرأ هذا اليهودي على مناقشة ونقد السلوك اليهويد في استغلال الهولوكوست. ومع ذلك فان عدداً لا بأس به من الكتاب اليهود تجرأوا على اتخاذ مواقف ناقدة لهذا السلوك ومكذبة للايحاءات والمبالغات اليهودية في هذه القضية. ومن اهم الكتابات اليهودية في المجال نذكر:
1ـ صناعة الهولوكوست /تأملات حول استغلال المعاناة اليهودية (3)
Finklestein Norman: the Holocaust Industry:
Syffering, verso Books, New york 2000
هو عنوان الكتاب الصادر للأكاديمي الاميركي ـ اليهودي نورمان فينكلشتاين. المتحدر من عائلة فقدت معظم أقاربها في المعتقل النازي وكان والداه من الناجين من معسكر اعتقال في وارسو.
باديء ذي بدء يسأل القاريء لماذا يورط نورمان نفسه بنشر هذا الكتاب الذي يلصق به تهمة “لا سامية الأنا” ويحوله الى هدف للاساءة اليهودية ويحرمه من المساعدات التي يمكنه الحصول عليها بصفته اليهودية!.
وهذا السؤال ليس صعباً بالنسبة الى نورمان اذ يجيب عليه بعفوية كررها في عدة لقاءات ومقابلات صحافية. وهو يقول: لا استطيع السماح لاحد باستغلال عذابات والديَّ والمتاجرة بهما مهما كان الهدف من ذلك!
ويذكر المؤلف بأن والده بقي حساساً تجاه تجربة الاسر وذكرياتها لدرجة انه كان يرفض دائماً الحديث عنها او تذكرها. وذلك على عكس والدته التي كانت تجد لذة ما في تكرار الحديث عن هذه الذكريات ( بما ينسجم مع الرغبة النسوية الاستعراضية والميل للمبالغة) ولكنها مع ذلك اعربت عن اشمئزازها وقرفها عندما شهدت بدايات تصنيع الهولوكوست في اميركا.
منذ عنوان الكتاب يلفتك مصطلح “صناعة” وهو ذو دلالة بالغة. فهو ينطوي على تهمة لليهود باصطناع الهولوكوست. فكيف تم هذا الاصطناع وما هي اسس صناعة المحرقة بحسب المؤلف؟
Your text goes here. يقول نورمان بأن معلوماته الخاصة تشير الى ان العدد الحقيقي للناجين من الاسر النازي هو 50 الف ناج. توفي 20 ألف منهم في الاسبوع الاول التالي لتحريرهم (وبمراجعة الكتابات المتخصصة نجد ان وفاة هذه النسبة ـ ثلث المحررين ـ تتطابق مع نتائج دراسات طبية ونفسية وسيكوسوماتية عديدة). ويضيف نورمان بأن العدد الحقيقي للناجين يصبح 30 ألفاً. لكن صناعة الهولوكوست بدأت بعد ذلك. اذ شهد نورمان نفسه على ادعاء اصدقاء والديه بأنهم من ضمن الناجين! (وهو ادعاء كاذب طبعاً. الا انه حظي بتشجيع يهودي ـ صهيوني وبتجاهل اية محاولة لضبط اعداد الناجين وتمحيص ادعاءاتهم). ويتابع نورمان بأن هذه الادعاءات (صانعة الهولوكوست) قد وصلت الىقمتها في الخمسينيات والستينيات. حتى تحول معظم اصدقاء والديه، كذباً، الى ناجين ومعتقلين سابقاً.
بناءً على هذه المعايشة وعلى رفضه المتاجرة بعذابات والديه يقرر نورمان بانه يميل احياناً للتفكير بأن اسوأ ماحدث للهولوكوست هو اكتشاف اليهود له. فقد ادى هذا الاكتشاف الى تضخيمه وتوظيفه لنشر الاكاذيب ولتورية الجرائم الاسرائيلية البشعة!. وهو يرى ان الاسرائيليين شرهين وطماعين لدرجة المتاجرة بعذابات البشر ومعاناتهم!. وهذا ما يدفعه لاعتبار المتاحف والمعارض والاحتفالات التذكارية، التي تقام بمناسبة المحرقة، مجرد “سيرك” (مع ما تحمله كلمة سيرك من دلالة استعراضية ومن استغلال للانسان والحيوان). اما عن مطالبة اسرائيل للبنوك السويسرية بأموال اليهود فان المؤلف يعتبر هذه المطالبة نوعاً من أنواع النصب والاحتيال الذي تقوم به دولة وليس اشخاصاً. ويضيف نورمان بأن التصنيع المبالغ (تحول جميع اليهود بعد فترة الى ناجين من المذابح!) والعروض الفظة لقضية الهولوكوست كان من شأنها ان تحرك المشاعر المعادية للسامية وتعيد احياءها!؟. خصوصاً في اوروبا واميركا.
أما عن تجارة الهولوكوست فيرى نورمان انها بدأت في اميركا بعد حرب (1967) فقبلها لم يكن للمحرقة وجود في الحياة الاميركية. ويظن بعضهم انها ادخلت لجلب التعاطف مع اسرائيل. وذلك على عكس ما يعتقده المؤلف إذ يؤكد ان احياء ذكريات الهولوكوست وعرضها على الجمهور الاميركي كانا خدمة للاستراتيجية الاميركية. فبعد انتصار اسرائيل في حرب (1967) تحولت الى ربيبة اميركا المنتصرة وحامية القيم الاميركية. وهو وجه كانت تحتاجه الولايات المتحدة بعد خسارتها حرب فيتنام وبالتالي بعد عجزها عن حماية القيم الامريكية وفقدان مصداقيتها اقام الفيتناميين الجنوبين وامام الجمهور الاميركي نفسه. وبمعنى آخر فان اميركا كانت اكثر حاجة لانتصار (1967) من اسرائيل نفسها. وهكذا وجدت النخبة اليهودية ـ الاميركية الطريق ممهدة لرفع راية الدفاع عن اسرائيل وايضاً لابتداع صورة هولوكوست اميركية مناسبة. حيث استغلت هذه النخبة مواقعها المميزة ونفوذها بحيث باتت الولايات المتحدة مزروعة بالمتاحف والمعارض التذكارية للهولوكوست اليهودي. كل ذلك في مقابل تجاهل تام لمذابح هتلر للغجر (شركاء اليهود في الهولوكوست) وكذلك لضحايا الشيوعية وهم يفوقون ضحايا الهولوكوست بعدة اضعاف (بحسب المؤلف). كما يؤكد فينكلشتاين على ان عدد ضحايا الغجر في الهولوكولست يفوق عدد اليهود ومع ذلك يتم تجاهلهم وكذلك تجاهل الملايين الذين قضوا نتيجة تجارة الرقيق والهنود الحمر الذين تعرضوا للابادة!! لذلك فهو يضيف ان وجود متحف للهولوكوست في واشنطن يتعارض مع غايات متاحف اخرى للجرائم التي ارتكبت عبر التاريخ الاميركي.
وينهي فينكلشتاين بأن الهولوكوست كان تجربة جعلت والداه يتعاطفان مع معاناة المضطهدين من البشر وهما لم يعتقدا بأن تجربتهما كانت ظاهرة منفردة في تاريخ
البشر كما يحاول تجار الهولوكوست اظهارها
2ـ الهولوكوست في الحياة الاميركية(4)
Novick Peter: The Holocaust in American life
عندما يتصدى كاتب يهودي اميركي للمواضيع المحرمة (تابوات) للوبي اليهودي الاميركي. فان هذا اللوبي ينتقم على طريقته الخاصة. فاللوبي اليهودي الاميركي يستثمر هذه التابوات اليهودية وخصوصاً المحرقة (الهولوكوست) افضل استثمار.
لذلك يطرح سؤال مزدوج مع كل كتاب يصدره يهودي ويتضمن معارضة لاساطير وشائعات اللوبي اليهودي ـ الاميركي. الوجه الأول للسؤال هو: لماذا يجيب هذا اللوبي بكل ما يملك من عدوانية؟ والثاني: لماذا يضع المؤلف نفسه في وضعية” اليهود ي كاره نفسه”؟.
بالنسبة للشطر الأول من السؤال فإجابته ان اللوبي لا يريد ان يخسر شيئاً من مكاسبه وسيطرته المالية(16 من أصل 40 من اغنى اغنياء اميركا هم من اليهود. ومتوسط دخل الاميركي اليهودي 45 الف دولار … الخ). اما الجواب عن الشطر الثاني فهو يتعلق بالدوافع الذاتية الخاصة بالمؤلف. فقد قبل تشومسكي تهمة لا سامية الأنا مدفوعاً بافكاره الماركسية وقبلها فينكلشتاين دفاعاً عن ذكرى والديه. وها هو مؤلف كتاب “الهولوكوست في الحياة الاميركية” البروفسور بيتر نوفيك يعرض نفسه بدوره لهذه التهمة ! فلماذا؟.
تخرج من قراءة الكتاب بانطباع مفاده ان المؤلف يريد ان يدافع عن الهولوكوست ويريد تعويض الخطأ البنيوي في الشخصية اليهودية التي تستغل الامور دون ان تعرف متى يجب ان تتوقف او ان تنسحب. فقراءة نوفيك للهولوكوست تعتمد على النظرية الاستقرائية. وهي تقول باختصار ان استمرار اليهود باستغلال الهولوكوست، بعد اكثر من نصف قرن على حصوله، لا بد له من ان يعطي نتائج عكسية ومضادة لمصلحة اليهود. ويحدد نوفيك هذه النتائج الضارة بالنقاط التالية:
1ـ انها تحول هتلر الى بطل تاريخي. وتجلب له الدعاية.
2ـ انها تجعل الرأي العام يميل للاعتقاد بصوابية ما فعله هتلر بدليل هذا التنظيم اليهودي الفائق والمستمر بعد اكثر من نصف قرن على وفاة هتلر.
3ـ اعادة احياء مشاعر “معاداة السامية” كنتيجة طبيعية للدعاية المكثفة والمبالغة والابتزاز الناجم عنها.
4ـ خلق اجواء معادية لليهود لدى المجموعات الاخرى التي تعرضت للاضطهاد سواء في الهولوكوست او في مناسبات اخرى.
وبالرغم من هذه التحليلات التي تحتمل النقاش فقد قامت جريدة “نيويورك تايمز” بشن هجوم عنيف على المؤلف واصفة اياه باستاذ التاريخ الجاهل. الذي لا علم له بالتاريخ وخاصة بالتاريخ اليهودي. وتوصلت الجريدة الى الجزم بأن كتاب نوفيك (استاذ التاريخ بجامعة شيكاغو) هو كتاب لا معرفي وفاقد للمعلومات!.
من جهته يرى نوفيك ان هنالك موقفان يهوديان من المحرقة. الاول يقول بأن مذابح الماضي هي مناسبة تعيسة على اليهود ان يذكروها بالاعتكاف (وهذا الموقف ينسجم مع الانثروبولوجيا الثقافية اليهودية التي تضم حائط المبكى الى نظمها الرمزية). اما الموقف الثاني فكان يدعو لاستغلال رؤية المسيحيين وهم يبكون لرؤيتهم مناظر التعذيب في الهولوكوست. وهذا البكاء يعكس مشاعر ذنب تستحق الإستغلال من خلال استعراضية مشاهد الهولوكوست.
ويرى نوفيك ان الغلبة كتبت لاصحاب الموقف الثاني ولكنه يأخذ عليهم جملة ملاحظات. هي في الواقع إنتقادات تستفز هذا الفريق من اليهود. وتتلخص بـ :
1 ـ من الخطأ ادخال العذابات اليهودية في التاريخ الاميركي. بحيث تصبح جزءاً من هذا التاريخ. لأن هذه العذابات لم تحدث في اميركا اصلاً. وبالتالي فان ادخالها قسراً في التاريخ الاميركي هو تزوير يستثير المشاعر اللاسامية.
2 ـ ان محاولة استغلال تعاطف غير اليهود وشعورهم بالذنب هي محاولة لتجنيدهم للعمل لصالح الصهيونية. وهذا الاستغلال قد نجح لفترة ما لكنه بدأ يعلن فشله عبر ما يمكن ملاحظته من تبرم قطاع من الأميركيين من تكرار حكايات مضى عليها اكثر من نصف قرن.
3 ـ ان تكرار الحديث عن مذابح المحرقة كل هذا الوقت جعل اليهود يظهرون وكأنهم فخورين بما فعله بهم هتلر. وكأنهم يتسابقون مع الآخرين حول من تعذب اكثر ليستحق عطفاً اكبر!